المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية


خالد ابوعبدالرحمن
30-10-2006, 02:44 PM
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
بقلم : الدكتور‏ زغلـول النجـار



‏(225‏ ـ أ‏)‏ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء‏...*‏ الأنعام‏:44‏




هذا النص القرآني الكريم جاء في الثلث الأول من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم‏,‏ إذ يبلغ عدد آياتها‏(165)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي الأنعام في أكثر من موضع‏,‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من ركائز العقيدة‏,‏ والتشريعات الإسلامية‏,‏ والآيات الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏.‏

وتبدأ السورة الكريمة بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون‏*‏ هو الذي خلقكم من طين ثم قضي أجلا وأجل مسمي عنده ثم أنتم تمترون‏*‏ وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون‏*‏ ‏(‏الأنعام‏:1‏ ـ‏3).‏

ثم تنتقل الآيات إلي الحديث عن الكفار والمشركين من قريش ـ كغيرهم في كل زمان ومكان ـ والذين مهما عرض عليهم من الأدلة الشاهدة للخالق ـ سبحانه وتعالي ـ بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جيمع خلقه‏,‏ والشاهدة لخاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بصدق الوحي إليه‏,‏ فإنهم لا يؤمنون‏,‏ فقد كذبوا بالقرآن الكريم‏,‏ ولذلك هددتهم الآيات بما سوف يحل بهم من وعيد كانوا يسخرون منه‏,‏ وتذكرهم بما حل بكفار ومشركي الأمم السابقة عليهم من عقاب‏,‏ وقد كانوا أشد منهم قوة وأكثر تمكينا في الأرض‏.‏

وتؤكد الآيات أنه مهما جاء للكفار والمشركين من دليل علي صدق ما جاء به النبي والرسول الخاتم فإنهم لا يؤمنون‏,‏ وتواسيه الآيات علي تطاول الكفار والمشركين علي شخصه الكريم وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ له‏:‏

ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون‏*‏ ‏(‏الأنعام‏:10).‏

وتذكر الآيات مرة أخري بعقاب المكذبين برسل الله فتقول‏:‏ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين‏*(‏ الأنعام‏:11).‏

وتستعرض السورة الكريمة عددا من الآيات الكونية‏,‏ مؤكدة حتمية الرجوع إلي الله ـ تعالي ـ وعلي خسران الكافرين والمشركين في يوم القيامة خسرانا مبينا‏,‏ وتوجه الخطاب إلي خاتم أنبياء الله ورسله‏(‏ والخطاب إليه ـ صلي الله عليه وسلم ـ موجه إلي جميع المؤمنين به إلي يوم القيامة‏)‏ فتقول‏:‏

قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين‏*‏ ‏(‏الأنعام‏:14).‏

وتؤكد الآيات أن كل مؤمن يخاف عذاب الله‏,‏ وأن النجاة منه هي الفوز المبين‏,‏ وأن الله ـ تعالي ـ هو الضار النافع وهو علي كل شيء قدير‏,(‏ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير‏).‏

وتجزم الآيات بصدق الوحي بالقرآن الكريم‏,‏ الذي أنزله الله ـ تعالي ـ للعالمين‏,‏ كما تجزم بوحدانية الخالق العظيم وببراءة خاتم رسله‏,(‏ وبراءة كل المؤمنين برسالته‏)‏ من شرك المشركين فتقول موجهة الخطاب إلي النبي والرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخري قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون‏*(‏ الأنعام‏:19).‏

وتشير الآيات إلي ذكر الكتب السماوية السابقة للنبي والرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ فتقول‏:‏ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون‏*(‏ الأنعام‏:20).‏

وتؤكد الآيات أن من أبشع صور الظلم للنفس افتراء الكذب علي الله ـ تعالي ـ والتكذيب بآياته المنزلة في القرآن الكريم‏,‏ وأنه‏(‏ لا يفلح الظالمون‏).‏

وتعرض الآيات لموقف المشركين في يوم الحشر وكلهم حسرة وندامة علي ما أشركوا من قبل‏,‏ يوم لا تنفع الحسرة ولا الندامة‏,‏ وتعاود توجيه الخطاب إلي رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فتقول‏:‏

ومنهم من يستمع إليك وجعلنا علي قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتي إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين‏*‏ وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون‏*‏ (‏الأنعام‏:26,25).‏

وهذا الخطاب كما كان لكفار ومشركي قريش موجه إلي أمثالهم في كل عصر حتي قيام الساعة‏.‏

وتستعرض الآيات ذل الكفار والمشركين وهم موقوفون علي النار‏,‏ وتمنياتهم لو عادوا إلي الدنيا فيؤمنوا من جديد‏,‏ وهم كاذبون‏.‏ وتؤكد الآيات هوان الدنيا وفضل الآخرة فتقول‏:‏

وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون‏*‏ (‏الأنعام‏:32).‏

وتعاود السورة الكريمة مواساة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ علي تكذيب المكذبين وتطاول المتطاولين من الكفار والمشركين علي شخصه الكريم في القديم والحديث فتقول‏:‏

قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون‏*‏ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا علي ما كذبوا وأوذوا حتي أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين‏*‏ ‏(‏الأنعام‏:34).‏

وتؤكد الآيات أن المكذبين كالموتي أو كالصم والبكم في الظلمات لأنهم لا ينتفعون بالحق الذي جاء به رسول الله‏,‏ وأن الله ـ تعالي ـ سيبعثهم يوم القيامة لحسابهم وجزائهم‏.‏

ثم تستعرض السورة عددا من آيات الله في الخلق‏,‏ محذرة من أهوال الساعة‏,‏ ومذكرة بعقاب عصاة الأمم البائدة الذين نسوا ما ذكروا به من أنماط الابتلاء بالشدائد‏,‏ فابتلاهم الله ـ تعالي ـ بالرزق الواسع الذي فرحوا به ثم أخذهم ربهم بالموت فجأة أو بالعذاب فجأة فإذا هم يائسون من النجاة‏...!!‏ وكما ينطبق هذا الحال علي عصاة الأمم البائدة‏,‏ ينطبق علي عصاة الأمم السائدة اليوم الذين فتح الله ـ تعالي ـ لهم من مغاليق الكون ما لم يفتح من قبل‏,‏ فأطغاهم التقدم العلمي والتقني بالتجبر علي الخلق والتنكر للخالق فتتهددهم الآيات بفجائية الموت وأهوال الآخرة فتقول‏:‏

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتي إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون‏*‏ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين‏*‏ (‏ الأنعام‏:45,44).‏

وتعرض الآيات لعدد من نعم الله علي عباده ومنها نعم السمع والبصر والفؤاد وتسأل الكفار والمشركين إن سلبهم الله إياها فمن يستطيع ردها إليهم غيره؟ وإذا نزل بهم عذاب الله بغتة أو علي ترقب منهم‏(‏ فهل يهلك إلا القوم الظالمون‏)‏؟

وتؤكد الآيات حقيقة الوحي وحرية الإنسان في اختيار دينه‏,‏ داعية إلي التفكر واستخدام العقل‏,‏ ومحددة دور رسل الله بقوله ـ تعالي ـ‏:‏

وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏*‏ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون‏*(‏ الأنعام‏:49,48).‏

وتوضح السورة لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أساليب الحوار مع كل من الكافرين والمؤمنين أيا كانت مكاناتهم الاجتماعية‏,‏ مؤكدة أن الله ـ تعالي ـ أعلم بالشاكرين‏,‏ وأنه ـ سبحانه ـ غفور رحيم‏,‏ وتأمره ـ كما تأمر كل المؤمنين ببعثته الشريفة ـ بالتبرؤ من كفر الكافرين وشرك المشركين‏,‏ مؤكدة أن الحكم لله ـ تعالي ـ وحده‏(‏ يقص الحق وهو خير الفاصلين‏).‏

ثم تعرض السورة لعدد من صفات الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ الذي صرف الآيات لعل عباده يفقهون‏,‏ وتنعي علي الكافرين كفرهم‏,‏ مؤكدة أن لكل نبأ بالقرآن الكريم وقته الذي يظهر للخلق فيه حتي يقوم دليلا علي أنه كلام رب العالمين وفي ذلك تقول مخاطبة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم‏:‏

وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل‏*‏ لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون‏*(‏ الأنعام‏:67,66).‏

وتأمر الآيات رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ألا يجلس في مجلس يتطاول فيه الكافرون والمشركون علي دين الله وكتابه‏,‏ والأمر هنا لكل مسلم ومسلمة‏,‏ الذين لا يتحملون من إثم هؤلاء الضالين الظالمين شيئا‏,‏ ولكن يجب أن يذكروهم لعلهم يخشون عذاب الله ويكفون عن باطلهم وضلالاتهم‏.‏ كما تأمر الآيات بترك‏(‏ الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا‏...)‏ مع تذكيرهم بما جاء في القرآن الكريم من حق‏,‏ وتحذيرهم من أهوال يوم القيامة‏,‏ ومن أخطار الشرك بالله‏,‏ الذي سوف يحشر إليه الخلق‏,‏ وأمره بين الكاف والنون والذي‏(...‏ قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير‏*‏ (‏الأنعام‏:73).‏

ثم تعرض السورة المباركة لجانب من سيرة نبي الله إبراهيم وتأملاته في الكون حتي تعرف علي خالقه من خلال بديع صنعه في السماء‏,‏ وجاءت السورة علي ذكر عدد من أبنائه وأحفاده وذريته‏,‏ كما جاءت علي ذكر نبي الله نوح‏,‏ وتوصي الرسول الخاتم بالاقتداء بهم‏,‏ تأكيدا علي وحدة رسالة السماء وعلي الأخوة بين الأنبياء جميعا الذين كانت رسالتهم واحدة‏,‏ أتمها الله ـ سبحانه وتعالي ـ وحفظها في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وتوصيه الآيات بالدعوة إلي القرآن الكريم وبالقول لقومه وللخلق جميعا من بعده إلي قيام الساعة‏:‏ لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكري للعالمين‏*(‏ الأنعام‏:90).‏

وتنعي الآيات علي الكفار كفرهم‏,‏ وتمتدح القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏

وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القري ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم علي صلاتهم يحافظون‏*(‏ الأنعام‏:92).‏

وتحذر الآيات من الكذب علي الله ـ تعالي ـ ومن ادعاء النبوة بالباطل‏,‏ ومن الادعاء الكاذب بالقدرة علي الإتيان بكلام مثل كلام الله‏,‏ أو الاستكبار عليه‏,‏ كما تحذر من شدة سكرات الموت‏,‏ وأهوال البعث‏,‏ وانهزام الشركاء عن تابعيهم ساعة الحساب‏.‏

وتنتقل السورة الكريمة إلي استعراض عدد آخر من آيات الله في الخلق‏,‏ التي علي الرغم من وضوحها اتخذ بعض الكافرين الجن أو الملائكة شركاء لله ـ تعالي ـ وهو خالقهم‏,‏ كما زعم البعض بنين وبنات البنوة لله وترد عليهم الآيات بقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏

بديع السماوات والأرض أني يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم‏*‏ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو علي كل شيء وكيل‏*‏ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير‏*(‏ الأنعام‏:101‏ ـ‏103).‏

وتعاود الآيات أمر رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أن يقول للناس‏:‏ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ‏*(‏ الأنعام‏104).‏

وبعد عرض هذه الدلائل والحجج القاطعة علي الجاحدين فإنهم ينكرونها لكفرهم‏,‏ ويختلقون الكذب علي الرسول الخاتم فيتهمونه بأن معلمه بشر وأنه لا يتلقي الوحي من الله ـ تعالي ـ‏,‏ وتأمره الآيات بتبيين ما أنزل إليه من الحق لكل من يريده ويدرك قدره ويذعن له‏,‏ وتأمره بقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏

اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين‏*‏ ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل‏*(‏ الأنعام‏:107,106).‏

وتوصي الآيات المؤمنين ألا يسبوا أصنام المشركين فيحملهم ذلك علي سب الله ـ تعالي ـ تعديا وسفها‏,‏ وتؤكد أن لكل أمة عملها‏,‏ ثم يكون مصير الجميع إلي الله وحده يوم القيامة فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها‏.‏

وتؤكد الآيات في سورة الأنعام أن المشركين يقسمون أنه إذا جاءتهم آية مادية ليكونن ذلك سببا في إيمانهم‏,‏ والآيات لا يأتي بها إلا الله ـ تعالي ـ الذي يعلم بعلمه المحيط أنهم لن يؤمنوا حتي إذا جاءهم من الآيات ما يطلبون‏,‏ والله يقلب أفئدتهم وأبصارهم‏(‏ ويذرهم في طغيانهم يعمهون‏)‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏

ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتي وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون‏*‏ (‏الأنعام‏:111).‏

وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ـ مؤكدة له أنه كما عاداه شياطين الإنس والجن من الكفار والمشركين في زمانه ومن بعد زمانه إلي اليوم وحتي قيام الساعة‏,‏ فإنهم قد عادوا كل نبي وكل رسول من قبله‏,‏ حيث يوسوس بعضهم إلي بعض بحديث مموه مزخرف عار عن الصدق يملؤهم فجورا وغرورا‏,‏ ولو شاء الله ما فعلوه‏,‏ ولكن تركهم وما يفعلون لتمحيص قلوب المؤمنين‏.‏ وتوجه الآيات سيد المرسلين إلي ترك هؤلاء الضالين وكفرهم وافتراءاتهم الباطلة التي يرضون بها أنفسهم المريضة‏,‏ ويفتنون أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة حتي يقعوا فيما يقترفون من آثام وفجور‏,‏

وتأمره أن يقول‏:‏ أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين‏*‏ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم‏*‏ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون‏*‏ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين‏*(‏ الأنعام‏:114‏ ـ‏117).‏

وتأمر الآيات المؤمنين بالأكل مما ذكر اسم الله عليه مما أحل لهم من الذبائح‏,‏ وقد بين الله ـ تعالي ـ لهم المحرم منها‏,‏ وأن كثيرا من الناس يبعدون عن الحق بأهوائهم دون علم أو برهان‏,‏ والله أعلم بالمعتدين‏.‏ وليست التقوي في تحريم ما أحل الله‏,‏ إنما التقوي في ترك الإثم ظاهره وباطنه‏,‏ والذين يقترفون الآثام سيجزون الجزاء العادل بما يقترفون‏.‏

وتعاود الآيات النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من ذبائح الأنعام المصرح بأكلها‏,‏ لأن ذلك فسق وخروج عن حكم الله‏,‏ وإن شياطين الجن والإنس ليوسوسون في صدور أوليائهم ليجادلوا المؤمنين بالباطل في محاولة لجرهم إلي تحريم ما أحل الله‏,‏ وإن في طاعتهم شركا بالله ـ تعالي ـ‏.‏

وتقارن الآيات بين من أحياه الله ـ سبحانه وتعالي ـ بالهداية وبين الغارق في دياجير الضلال‏,‏ مؤكدة أنه كما زين الله الهداية في قلوب أهل الإيمان‏,‏ زين الشيطان الشرك في قلوب المشركين‏.‏

وفي التحذير من مكر المجرمين تقول الآيات‏:‏
وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون‏*‏ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتي نؤتي مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون‏*(‏ الأنعام‏:124,123).‏

وتؤكد الآيات أن الهداية بيد الله ـ تعالي ـ صاحب الصراط المستقيم‏,‏ والذي فصل آياته لقوم يذكرون‏,‏ وجعل لهم الجنة عند ربهم جزاء بما عملوا من خير في الدنيا‏.‏ أما الذين سلكوا طريق الشيطان من الإنس والجن فلهم في يوم الحشر خلود في نار جهنم إلا ما شاء الله جزاء ما ارتكبوا في الدنيا من آثام والله حكيم عليم‏.‏

وتعتب الآيات علي الكفار والمشركين من كل من الإنس والجن بأنهم لم يستجيبوا لنذر رسلهم بلقاء الآخرة فغرتهم الحياة الدنيا‏(‏ وشهدوا علي أنفسهم أنهم كانوا كافرين‏).‏

وتؤكد الآيات عدل الله المطلق في مجازاة عباده علي أعمالهم في الدنيا بعد إشعارهم وإنذارهم‏,‏ وهو‏(‏ الغني ذو الرحمة‏),‏ القادر علي استبدال العاصين من عباده بما يشاء‏,‏ وأن وعده لآت‏,‏ وأن الخلق لا يعجزون خالقهم أبدا‏,‏ وأنه لا يفلح الظالمون‏.‏

وتعتب الآيات علي المشركين ما يبتدعونه من جعل نصيب لله ـ تعالي ـ من الأنعام ومحاصيل الزروع يخصصونه للإنفاق علي الضيفان والمحتاجين ولا يصلهم شيء منه‏,‏ ونصيب آخر ينفقونه‏,‏ علي ما يعبدون من دون الله بظلمهم وجهلهم‏,‏ وكما زينت لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة زينت لهم أوهامهم فيمن أشركوا مع الله قتل أولادهم نذرا لمعبوديهم من دون الله‏.‏ وتأمر الآيات رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ والمؤمنين برسالته أن يتركوا هؤلاء الضالين في ضلالهم لأنهم سينالون عقاب ما يفترون‏,‏ وقد افتروا غير ذلك‏,‏ ولو شاء الله ـ تعالي ـ ما فعلوه وتلك مشيئته ـ سبحانه وتعالي ـ‏,‏ وترد عليهم الآيات بقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏

قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء علي الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين‏*(‏ الأنعام‏:140).‏

وعرضت الآيات بعد ذلك لذكر عدد من آيات الله في الخلق‏,‏ موصية بإخراج زكاة الزروع يوم حصادها‏,‏ ناهية عن الإسراف في كل شيء لأن الله ـ تعالي ـ لا يحب المسرفين‏,‏ واصفة الأنعام بما يحمل الأثقال ويصلح للركوب‏,‏ وما يصلح للطعام‏,‏ ومن جلودها وأوبارها وأصوافها وأشعارها فراشا وأثاثا ولباسا‏,‏ وتأمر بالأكل مما أحل الله ـ تعالي ـ منها ناهية عن افتراء التحليل والتحريم كما كان يفعل أهل الجاهلية بإيحاء من الشيطان ـ وهو عدو للإنسان مبين ـ ويدعون كذبا أنه أمر من الله ـ تعالي ـ‏.‏

ثم فصلت الآيات ما حرم الله ـ تعالي ـ علي عباده من المطعومات مؤكدة حكم الله‏:‏

...‏ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم‏*(‏ الأنعام‏:145).‏

وفي المقابل تؤكد الآيات أن الله ـ تعالي ـ حرم علي اليهود بعض المطاعم عقابا لهم علي ظلمهم وجرائمهم العديدة‏,‏ وهو من أخبار الغيب التي تشهد للقرآن الكريم بأنه وحي من الله‏,‏ وتشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه‏,‏ بالنبوة والرسالة‏.‏

وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ له‏:‏ فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين‏*(‏ الأنعام‏:147).‏

وتستمر الآيات باستنكار احتجاج المشركين لشركهم وتحريمهم وتحليلهم بأنها مشيئة الله‏,‏ وهم كاذبون‏,‏ وتأمر الرسول الخاتم بعدم اتباع أهوائهم‏.‏ وتتابع بعدد من التشريعات العقدية والسلوكية والأخلاقية مختتمة ذلك بقول الحق ـ تبارك تعالي ـ‏:‏

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون‏*(‏ الأنعام‏:153).‏

وتمتدح الآيات بعد ذلك التوراة‏,‏ وتشير إلي الإنجيل‏,‏ كما تمتدح القرآن الكريم‏,‏ مؤكدة أن الحجة قد قامت علي وجوب الإيمان بالله فماذا ينتظر غير المؤمنين وفي ذلك تقول‏:‏

هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون‏*(‏ الأنعام‏:158).‏

وتنتقل الآيات إلي ذكر الذين فرقوا دين الله الحق الواحد بالعقائد الزائفة‏,‏ والتشريعات الباطلة‏,‏ فأصبحوا فرقا وشيعا عديدة‏,‏ وتؤكد لصاحب الرسالة الخاتمة ـ صلي الله عليه وسلم ـ أنه مبرأ من إثمهم‏,‏ وأن أمرهم إلي الله ـ تعالي ـ‏(‏ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون‏)‏ وتقرر الآيات أنه‏:‏ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وهم لا يظلمون‏*‏ (‏ الأنعام‏:160).‏

وتختتم سورة الأنعام بقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ آمرا خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقوله العزيز‏:‏

قل إنني هداني ربي إلي صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين‏*‏ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين‏*‏ لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏*‏ قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخري ثم إلي ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون‏*‏ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم‏*‏ ‏(‏الأنعام‏:161‏ ـ‏165).‏

وفي المقال القادم إن شاء الله سوف أعرض لركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ والتشريعات الربانية‏,‏ وقصص عدد من الأمم البائدة‏,‏ والآيات الكونية التي جاءت في سورة الأنعام كما سأعرض للدلالة العلمية التي جاءت في قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء‏...*.‏

فإلي ذلك الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏